عندما يكون (الهاتف) سارداً: محمود عبد الوهاب فـي (رغوة السحاب)

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
26/11/2012 06:00 AM
GMT



ما الذي يجعل مبدعاً مثل الراحل (محمود عبد الوهاب) ليكتب رواية خرجت عن جنسها ألأدبي المتداول؟، وما الذي يريد ان يصل إليه عبر الهاتف الليلي وهو يستخدمه كسارد مركزي من خلال وجهة نظر واحدة لم تتغير طيلة سرد (الاقاصيص) التي انتظمت في مناخ روائي " شاذ " في نهاية الامر؟.

قد يكون القاص وحده مسؤولا عن تقديم الاجابة الفعلية عن مثل هذه الاسئلة الواقعية، عندما ابتكر شكلاً روائياً مغايراً لما هو سائد في الثقافة الروائية المحلية، ونحت مناخاً مكانياً ارتبط بزمن الحرب، لكن ما هو مسموح، برأينا، للاجابة عن هذه الاسئلة وغيرها، هو الإحالة التامة بما يتعلق بدور القارئ في استخلاص النتائج المركزية لهذا العمل الغريب؟، عندما تجتمع في بؤرة روائية واحدة، لا يستخلصها من تدرب على جاهزية الاشكال الروائية وموضوعيتها في استدراج الأحداث و تسويقها عبر بنائية معروفة، متكررة؛ الامر الذي يجعل ثمة شرخاً في العلاقة بين المرسِل و المرسَل إليه وهي علاقة ستظل قلقة امام تضاعيف هذا النص الروائي و هو يحرث في واقع حساس، لكن محمود عبد الوهاب جعله واقعا (مؤطرا) بزخرفة شكلية، عمادها (هاتف) ومكالمات ليلية وشخوص تتحرك بايقاعات متفاوتة، كانما دونما هدف، سوى هدف المؤلف العارف باسرار الهاتف وما وراءه، و كانما حياة المدينة اخذت (شكل) الدليل ذي الارقام المبعثرة و المصادر المجهولة.

***

يرى (أمبرتو اٍيكو) أن هناك نظريات حديثة تقول بأن القراءة الوحيدة الجدية للنصوص هي قراءة خاطئة، على أساس أن النص جهاز يراد منه اٍنتاج قارئ انموذجي؛ وبقدر ما يكون هذا التشخيص صارماً، وربما صادماً، فهو في جوهره ينتمي إلى الكتابة الجديدة المتحررة من اليات التجنيس الادبي التي تدربت عليها ذائقة القراءة زمناً طويلاً، وبالتالي فإن المنجز الابداعي الجديد يستوجب قراءة جديدة لا تكون قراءة (وحيدة جدية) خاضعة لشرط آلي قديم، لانها ستتعارض مع جوهر المحدث في الابداع قد تكون وجهة النظر خاطئة من أساسها، فالثوب القديم اما أن يكون فضفاضاً يحجب النص وما وراءه، وأما أن يكون ضيقاً لا يفي بتغطية الاجزء من النص، وعليه، فان نظريات القراءة التي انبثقت من نصوص الحداثة وما بعد الحداثة، اجتهدت على خلق او انتاج قارئ غير خاضع لمهيمنات القراءة القديمة وثوابت النقد الادبي السائد.

قد تكون وجهة النظر هذه خاضعة هي الاخرى للجدل لكونها فرضية أولى لكن يمكن لنا ان نمضي مع القراءات الجديدة وهي تطرح الجدل على شكل افتراضات وفرضيات لهذه القناعات خطوة خطوة، متمثلة بفيض من النصوص الادبية الكثيرة، التي اقلقت الثابت من الركام.

***

وما دامت (رغوة السحاب) للقاص محمود عبدالوهاب (رواية) جديدة في بنائها وشكلها وتقنيتها وتجربتها وصوتها المنفرد؛ أو هكذا أرى، فقد سقت هذا التقديم كمفتاح موجه لقراءة أولى، غاضاً النظر بشكل مؤقت عن الاصداء التي أثارتها وتثيرها من حيث كونها(قصصاً!) اجتمعت بين غلافين وحملت (سهواً!) جنس الرواية؛ فليس مهماً- الآن- ان تكون (رغوة السحاب) رواية أو اقاصيص أو حكايات أو مشاهد في القصة، لكن ما هو أهم من ذلك هو انها انتجت كنص أو جهاز ينفتح على قراءات متعددة؛ ولا يقيم علاقاته إلا مع مكوناته وارسالياته وشفراته السرية.

***

يقرر القاص محمود عبدالوهاب في بداية الرواية ان (اقاصيص) دفتر ارقام الهواتف هي(تخطيطات) ذات نهج سردي يجمعها إطار(محوري) تنضوي تحته (حكايات) مَن احتوى الدفتر أرقام هواتفهم؛ وهذا التقرير، برأيي، لم يكن عفوياً أو نابعاً عن عدم دراية فنية؛ فعندما يخلط القاص بهذه الطريقة مسميات تثير اشكاليات منهجية ونقدية في ثلاثة أسطر (اقاصيص- حكايات - تخطيطات)، وقبل ذلك يسمي كتابه (رواية) فهو يعي - بتقديري - انه يهشم الكثير من المحظورات النقدية، ويتخطى جاهزية النقد الأدبي التي تمرست على فرز الأجناس الأدبية ووضعها في خانات وجداول؛ ويستفز القارئ على نحو مقصود ولكنه مدروس ومقنن، كما انه حاول تكريس نظام خاص به لانتاج آليات جديدة تنبع من هذه الكتابة الروائية والخطو بها باتجاه ما هو منفتح على اجناس؛ ربما؛ غامضة ومشوبة بالشكوك كما لو ان القاص يعمد إلى تحطيم الأعمدة الصلبة للثوابت الكتابية؛ وإزاء ذلك فأن هناك من يرى ان الدليل المقدم ،كنتاج، لا يفصح عن كونه وليداً طلع من ارهاصات تلك الثوابت، ونحن لسنا ضد هذا التشكيك او ذاك، ولكن علينا ان نعي ان ارهاصات الولادة الجديدة لا تنشأ من فراغ، وان ما يتقدم إلينا بوصفه ممثلاً لحالة ما عليه ان يقدم شهادات الولادة والاثبات والصيرورة.

وبظني ان القاص محمود عبدالوهاب عندما (فحص) روايته في صفحاتها الأولى؛ لايجاد مبرراته الفنية، فأنه كان يدرك ان هناك (فجوة) ستنشأ بينه وبين قارئه؛ فأراد ردمها، منذ اللحظة الاًولى لكتابة الرواية؛ وبظني أيضاً انه لم تكن به حاجة اليها! وقد يشكل هذا الاًساس النظري المختصر في صدر الرواية أساساً لفقدان الثقة بينه وبين المتلقي.

***

قام شطر من بناء الرواية على ثنائيات الليل والنهار والماضي والحاضر لتبرير جغرافية المكان (البصرة) من وجهة نظر نفسية وتطويقه بشخصيات جانبية لا تؤدي الا افعالاً هامشية، كانت وليدة قوة يومية متكررة (القصف) واذا كان الماضي والحاضر يترادفان بقوة من خلال صورة الحرب المستمرة، وصور الالبومات التي تستدعي الماضي بقسوة مقصودة؛ فأن هناك ثنائية الليل والنهار المربوطين بسلك الهاتف وسلك الذاكرة؛ وهما يتعاقبان في السرد لتمرير حركية الحياة المنصهرة في الحرب؛ وكلا الثنائيتين تتناوبان عبر أسلاك الهاتف بصورة مجسدة قريبة من فهم الروائي ووعيه – وهو المؤلف – جامع الاقاصيص و منظِمها – و الذي لا يهدأ لحظة واحدة في استقدام كل ما من شأنه تعزيز شكل الفجيعة في زمن الحرب العاصف الذي أطاح، أو سيطيح، باحتمالات البقاء و الثوابت الاجتماعية والإنسانية، ويستفز العلاقات اليومية – البسيطة التي كانت تشع في المكان، ويتم ذلك من خلال صورة مركزية يقدمها راوٍ عارف بمدركات المكان و خصوصيته وارهاصاته؛ وهو مثقف له خصوصيته المعرفية الكلية والإدراك الحسي المتمكن، وهو صورة - المؤلف - على وجه يقيني لا يقبل الشك و لذلك لا أجد علاقته بالمكان ملتبسة، لا كمخلص، و لكن كشاهد و موثق او مفسر في بعض اللمحات او كائن مرهف له إمكانية الادانة في الاجمالي العام كموقف، وذلك بمراقبة سلسلة الهواتف الليلية وهي تبعثر المصائر في متوالية صاعدة من الليل الى النهار ونازلة من الماضي الى الحاضر في لعبة شكلية جادة بلغ فيها محمود عبد الوهاب مستويات جمالية لتدوين جوهر الجريمة في اتزياحات معرفية دالة من خلال لعبة (الدليل) ورنين الهاتف السارد الذي تتخفى وراءه عدسة مفتوحة حساسة تتقصى ما تعكسه غربة الفرد والمجموع في ظرف مسكون بالريبة والتوجس.

***

واذا كانت صورة الحرب هي المرجعية المعتمدة لهذه الاقاصيص والمشاهد والموتيفات والحكايات المبتسرة، فان القاص لم يعمد على اشاعة اكبرعدد من الصور والشخصيات بل عمد الى الاقتصاد في استدراج مناخ المكان في صورة المدينة وهو اقتصاد لغوي اولا وهذا ما عرف عن الكاتب وما اوضحه في مقدمة (رغوة السحاب) واقتصاد في التعامل مع المكان ثانياً .اذ لا تجد في المشاهد كلها سوى [ بيت - فندق - مقهى - شارع - عيادة ] واقتصاد في الشخصيات ثالثاً اذ لا يطالعك سوى [رجل - امراة - طفلة - جندي] وتتفرع من تلك الشخصيات؛ عبر الالبومات؛ صور (ام- اخت - اخ) ودائماً هناك غياب قسري (موت- سفر..)، وبالاجمال فأن الشخصيات الحاضرة تمثل ظلال الشخصيات الغائبة؛ وكأنها تلك التي غابت، وكما لو ان الظرف- الزمن هو واحد في الحضور والغياب؛ اما ظهور الراوي الكلي في ذينك الزمنين فقد جعله يتحرك على مساحة لا يراد لها الاتساع، أي انه ظل محكوماً في بقعة زمنية منظورة؛ بسبب التجاء المؤلف إلى (كتابة) اقاصيص وحكايات هي بمثابة وحدات صغيرة ينظر من خلالها إلى الزمنين بتعاقبهما الليلي والنهاري، وظلت تلك الوحدات حواملَ لوجهة نظر مركزية غير متشظية على مدار ما هو مسرود في ليالي الهواتف؛ وهذه البنية في التعامل الاقتصادي الدقيق انبنى عليها معمار الرواية أساساً بدالات تصويرية واخبارية ووصفية من خلال الاقاصيص - الحكايات ذاتها والتي تبدو كأنها منفصلة عن بعضها، الا ان المناخ العام لزمن الرواية يجمعها في بؤرة لامَّة وحساسة؛ وفي مكان تنشدُّ اليه مفاصل الرواية كاملة، لذلك فحكايات (رغوة السحاب) لا تقيم تعارضاً مع الواقع، بقدر انتمائها اليه انما تقيم تعارضاً مع الفن الروائي باستخدامها تقنية / قصصية / بأطار (روائي) اعتمد افقي الزمان والمكان في تجلياتهما الكثيرة وابراز الجانب المهاري/الفردي في توليف الثيمات الواحدة التي انتظمت تحت لافتة روائية تخفت وراء ستار (دليل الهاتف) الذي وفر للمؤلف معماراً هندسياً، بألتقاطه شذرات وقصاصات حياتية والتقاطات مباشرة وموتيفات مشهدية قصيرة.

***

كتب محمود عبدالوهاب رواية بدون قاعدة نقدية؛ وغير قائمة على علاقات سردية اتصالية، سوى انها ترتبط بسلك هاتفي وحاكية تسرد الماضي كما تسرد الحاضر وعلى نحو سريع؛ فبعثت بشفراتها البرقية الى الاتجاهات كلها، وأوجدت لبنائها قوانين وعلاقات بثتها من داخل متنها الحكائي المتقطع، ووجهت القارئ الى هدفها الفني اولاً، وأنبأت عن وجهة نظر روائية مثقفة هي لصيقة بالمبدع الراحل محمود عبد الوهاب؛ الذي اراد لروايته ان تكون بلا شروط مستهلكة، وتؤسس نفسها بنفسها وتجعل حضورها قائماً على بنيتها السردية المخلقة؛ ومن اقاصيصها وحكاياتها المتناثرة التي اجتمعت في مختبر روائي جديد اسمه: رغوة السحاب.